ابن كثير

407

السيرة النبوية

قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك ! ؟ فروا رأيكم . فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها المطاع فيها ، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذلك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو ابن الحضرمي . قال : قد فعلت ، أنت على بذلك ، إنما هو حليفي فعلى عقله وما أصيب من ماله . فأت ابن الحنظلية ، يعنى أبا جهل ، فإني لا أخشى أن يشجر ( 1 ) أمر الناس غيره . ثم قال عتبة خطيبا فقال : يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا ، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه ، أو ابن خاله ، أو رجلا من عشيرته ، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذلك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون . قال حكيم : فانطلقت حتى جئت أبا جهل ، فوجدته قد نثل درعا فهو يهنئها ( 2 ) فقلت له : يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا . فقال : انتفخ والله سحره ( 3 ) حين رأى محمدا وأصحابه ، فلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، وما بعتبة ما قال ، ولكنه رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه ، فقد تخوفكم عليه . ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي ، فقال : هذا حليفك يريد أن يرجع الناس ، وقد

--> ( 1 ) يشجر : يخالف ويفسد . وفى الأصل : يسجر . وما أثبته عن ابن هشام ( 2 ) نثل : أخرج . ويهنئها : يهيئها ويصلحها ( 3 ) انتفخ سحره : جبن والسحر : الرئة .